دأبت الحركة الصهيونية ومنذ بداياتها بالاحتفاظ بمختلف الأرشيفات لفعالياتها عامة، وخصوصاً لتلك المتعلقة بفلسطين والفلسطينيين، ففي سنة 1949 أقيم أرشيف الدولة لحفظ كل الوثائق المتعلقة بالمؤسسات الرسمية، وسنّ الكنيست الإسرائيلي في سنة 1955 قانوناً خاصاً لإدارة أرشيف الدولة، الذي انبثقت ع أرشيفات المؤسسات البلدية والهيئات العامة. وتقدر محفوظات الأرشيف بما يعادل 40 كم طولاً. وتحتفظ الأرشيفات الإسرائيلية بملفات كثيرة تتعلق بفلسطين والفلسطينيين يعود بعضها إلى العهد العثماني، وتمتد من سنة 1815 حتى سنة 1917. ويشمل الأرشيف كذلك عدداً كبيراً من ملفات الحكومة والمؤسسات العامة من أيام الحكم العسكري والانتداب البريطاني على فلسطين (1917-1948). وبالإضافة إلى وثائق وأرشيفات المؤسسات الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل بعد النكبة، فقد استولت كذلك على العديد من كنوز التراث الفلسطيني من مكتبات خاصّة وعامّة احتوت على الكثير من المخطوطات والكتب المطبوعة، ونقلت معظمها إلى «المكتبة الوطنية» في القدس الغربية.
استولت إسرائيل كذلك على أوراق دوائر الحكومة الانتدابية، وأرشيفات المؤسسات الفلسطينية الفاعلة منذ أيام الحكم العثماني والانتداب البريطاني، كأرشيفات المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية والبلديات والأوراق الخاصة لعائلات وقيادات فلسطينية. كما وانتقلت للأرشيف الإسرائيلي كميات كبيرة من وثائق المجلس الإسلامي الأعلى ووثائق الهيئة العربية العليا.
نقدِّم في هذه الورقة وصفاً موجزاً لأهم الأرشيفات الصهيونية ومحتوياتها المتعلقة بالشعب والمجتمع والتاريخ الفلسطيني. ومن المفيد أن نؤكد هنا أن هذه الورقة لا تتعرض ولا تحلل الأبعاد السياسية والقانونية للسيطرة الإسرائيلية على مصادر الذاكرة الفلسطينية، فما نريده هنا هو عرض بعض من ملامح تلك الموارد، التي تشكّل أهم مصادر التاريخ الفلسطيني ما قبل النكبة. ولعرض ذلك نقدم وصفاً لمحتويات الأرشيفات التالية:
أرشيف دولة إسرائيل Israel State Archives (ISA)
أقيم هذا الأرشيف رسمياً في أواخر سنة 1949، وانتقلت إليه جميع الملفات الخاصة بمؤسسات الدولة على مختلف أنواعها. كما ونقلت إليه أيضاً مجموعة كبيرة من الوثائق التي استولت عليها إسرائيل من دوائر حكومية ومؤسسات فلسطينية عملت أيام الانتداب، بالإضافة إلى ما تبقى من وثائق فلسطينية/عثمانية.
الوثائق الفلسطينية من زمن الحكم العثماني
تبرز من بين المجموعات الفلسطينية من أيام الحكم العثماني، التي استولت عليها إسرائيل وضمتها إلى محتويات الأرشيف، وهي السجلات والوثائق التالية:
• أرشيف حاكم قضاء القدس أكرم بك، الخاصة بالأعوام 1906-1908.
• مجموعة كبيرة من دفاتر النفوس ما بين الأعوام 1876 و1917، وتشمل هذه المجموعة 87 مجلداً من مختلف أنحاء فلسطين.
• دفاتر الطابو وسجّلات الأملاك لأواخر القرن التاسع عشر، وتحوي هذه المجموعة 107 مجلدات.
• مجموعة كبيرة لملفات العديد من دوائر الحكم أيام العثمانيين، وتشمل 490 مجلداً وملفاً.
• عدد كبير من ملفات المستعمرات الألمانية في فلسطين. • جميع محتويات أرشيف القنصلية الألمانية في القدس منذ سنة 1815.
• مجموعة أرشيفية تابعة للقنصلية النمساوية في القدس ما بين الأعوام 1903-1938. تشمل أقسام الأرشيف تصنيفاً بعنوان «وثائق متروكة»، وهو الاسم الذي أطلقته المؤسسة الإسرائيلية رسمياً على أملاك اللاجئين الفلسطينيين، التي بقيت في فلسطين بعد طردهم من بلادهم.
الوثائق الفلسطينية من زمن الانتداب البريطاني على فلسطين
تركت إدارة الانتداب البريطاني مجموعة ملفات ووثائق كبيرة، تعود إلى مختلف الدوائر الحكومية. ويشمل أرشيف الحكومة الانتدابية ملفات المندوب السامي، سكرتيري الدوائر الحكومية، القضاء، الزراعة، التجارة، الصحة، الهجرة، الأشغال العامة، العمل، الشرطة، تسجيل الأراضي، البريد، الطيران المدني وغيرها. أرشيف الدائرة القضائية
تشمل مجموعة ملفات الدائرة القضائية في أرشيف إسرائيل ملفات الجهاز القضائي المدني منذ سنة 1898 حتى سنة 1948، إضافة إلى ملفات المحاكم الشرعية منذ سنة 1874. ملفات وأوراق خاصة يحتوي أرشيف الدولة على قسم مهم تحت عنوان «مجموعات وأرشيفات خاصة»، ويشمل الملف الفلسطيني فيه آلاف الوثائق العائدة لمؤسسات وشخصيات فلسطينية مثل اللجنة العربية العليا، جيش الإنقاذ، الحاج أمين الحسيني، قيادات بلدية ونوادٍ فلسطينية ومكاتب محامين فلسطينيين.
أرشيف منظمة الهاغاناه
يضم هذا الأرشيف الملفات العسكرية والاستخباراتية التي جمعتها القيادة الصهيونية عن المجتمع الفلسطيني والقرى والأشخاص والمخططات العسكرية قبل النكبة، إضافة إلى آلاف الصور.
الأرشيف الصهيوني المركزي
يضم مجموعات ضخمة من وثائق الحركة الصهيونية ودراسات ميدانية عن القرى والمدن الفلسطينية وملفات الأراضي والخرائط والصور منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى النكبة.
أرشيفات البلديات
لم يبق الكثير من أرشيفات البلديات الفلسطينية، باستثناء أرشيف بلدية حيفا الذي يضم قرابة 2000 ملف من الأعوام 1914-1948، ومحاضر جلسات البلدية وملفات الهندسة وملكية البيوت.
أرشيف بلدية القدس الغربية
يضم ملفات عثمانية وانتدابية ومحاضر جلسات المجلس البلدي ومشاريع المياه والبناء والتخطيط.
خلاصة
إن النكبة الفلسطينية لم تؤد فقط إلى تشريد الشعب الفلسطيني، بل إلى ضياع وثائقه وأوراقه الرسمية، بينما عمل الجانب الإسرائيلي منذ قيام دولته على بناء أرشيفاته لتشكيل سرديته التاريخية، وبقيت الوثائق الفلسطينية الموجودة في الأرشيفات الإسرائيلية مصدراً مهماً لفهم المجتمع الفلسطيني قبل النكبة.
المصدر
مؤسسة الدراسات الفلسطينية
(بتصرّف)