الباحثة الفلسطينية رولا شهوان
أن تكون باحثًا فلسطينيًا في مجال الأرشيف، فهذه ليست مهمة عادية، بل تجربة معقّدة ومحفوفة بالتحديات. فهي لا تبدأ فقط من ندرة المواد، بل من تشتتها وتبعثرها عبر العالم. خلال عملي، وخاصة أثناء دراستي للدكتوراه، تكرّر هذا التحدي في أكثر من مشروع؛ فالبحث عن مواد أرشيفية فلسطينية يعني الدخول في شبكة معقّدة من الأرشيفات العالمية، التي لا تعكس بالضرورة السردية الفلسطينية، بل كثيرًا ما تُقصيها أو تعيد تشكيلها ضمن سياقات أخرى.
تبلورت هذه التجربة بشكل واضح خلال عملي كباحثة أرشيف في فيلم "فلسطين "36 للمخرجة الفلسطينية أن ماري جاسر، حيث وجدت نفسي أمام تجربة تتجاوز حدود البحث الأكاديمي أو التقني، لتلامس سؤالًا وجوديًا يتعلق بالذاكرة والهوية. لم يكن الأمر مجرد عمل تقني لجمع المواد، بل كان انخراطًا مباشرًا في إشكالية أعمق تتعلق بكيفية الوصول إلى تاريخ يُفترض أنه لنا، لكنه مبعثر ومقيّد عبر مؤسسات وسياقات لا تعكس سرديتنا الفلسطينية، بل تتجاوزها أحيانًا لتؤكد استمرار البعد الكولونيالي في التعامل مع التاريخ الفلسطيني.
استغرقت عملية الحصول على المواد الأرشيفية الخاصة بالفيلم عدة أشهر من البحث المضني، تنقّلت خلالها المخرجة بين عدد من الأرشيفات العالمية، من بينها: British Pathé وImage Pathé وThomson وINA وImperial War Museum وLibrary of Congress. ولم تكن هذه العملية مجرّد بحث تقني عن صور أو لقطات مفقودة، بل رحلة طويلة من المحاولات والمراسلات والانتظار والتفاوض. ورغم أنّ المواد الأرشيفية التي جُمعت لم تُستخدم بصورة مباشرة في فيلم "فلسطين 36"، فإنّ الاطلاع عليها أسهم في تشكيل الخيال البصري للفيلم، وساعد المخرجة وفريق الإنتاج على استشراف تفاصيل المرحلة التاريخية وتخيّل فضاءاتها وشخصياتها وأجوائها. وفي هذا السياق، يمكن فهم هذه التجربة من خلال ما تطرحه غيل ز. هوخبرغ في كتاب Becoming Palestine، حيث لا يُختزل الأرشيف في كونه مستودعًا للماضي أو مادةً للاسترجاع، بل يصبح أيضًا مجالًا لإنتاج المخيلة، وإعادة بناء السرد، وصياغة إمكانات بصرية وتاريخية تتجاوز ما هو متاح في الوثيقة نفسها لكن التحدي الأكبر لم يكن فقط في الوصول، بل في كيفية البحث ذاته. فالمصطلحات المستخدمة داخل هذه الأرشيفات غالبًا لا تتماشى مع السردية الفلسطينية. كان علينا أن نعيد التفكير في اللغة نفسها: بأي كلمات نبحث؟ هل نستخدم "فلسطين قبل النكبة" (Palestine before the Nakba)، أم "إسرائيل قبل عام 1948" (Israel before 1948)، أم مصطلحات أخرى تعبّر عن الحدث نفسه ولكن ضمن تأطير مختلف؟ لم تكن هذه الفجوة اللغوية مجرد عائق تقني، بل كانت انعكاسًا لهيمنة سرديات معينة على حساب أخرى، ودليلًا على أن التاريخ الذي يكتبه الأقوياء يحتاج دائمًا إلى تمحيص وقراءة نقدية، لما يحمله من تمثيلات تخدم السلطة المهيمنة وسياقاتها الاستعمارية.
إلى جانب ذلك، كانت هناك كلفة مادية عالية للحصول على هذه المواد، وفي بعض الأحيان غياب تام لمصدر واضح لها. وهذا يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لذاكرة شعب أن تكون محفوظة خارج سياقها، ومملوكة لمؤسسات لا تعترف بها ككيان مستقل، بينما يُضطر الباحث الفلسطيني إلى دفع مبالغ طائلة لاستعادة أرشيفه، أي ذاكرته الحيّة؟.
إن هذا الواقع يعكس بوضوح استمرار البنية الكولونيالية في التعامل مع الأرشيف الفلسطيني. فالأرشيف هنا ليس مجرد مادة تاريخية، بل هو ساحة صراع على الرواية والذاكرة. وحتى المؤسسات التي تحتفظ بهذه المواد تعكس، من خلال بنيتها وشروطها، مدى تعقيد الوصول إلى هذه الذاكرة، وهيمنتها على إتاحتها والتحكم في استخدامها.
ولا يقتصر الأرشيف الفلسطيني على المؤسسات الكبرى، بل يمتد أيضًا إلى مجموعات شخصية ومبادرات فردية. فهناك أرشيفات محفوظة لدى أفراد فلسطينيين في الشتات، أو لدى أفراد متضامنين مع القضية الفلسطينية، لعبوا دورًا في مراحل مختلفة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وتمكنوا من جمع مواد أرشيفية بطرق متعددة.
وقد تحولت هذه المواد، التي يحتفظ بها الأفراد، إلى مساحات بديلة لحفظ الذاكرة الفلسطينية خارج إطار المؤسسات الفلسطينية. كما توجد أجزاء من هذا الأرشيف لدى مؤسسات أجنبية، مثل الأرشيف الإيطالي، أو ضمن مجموعات محفوظة في فرنسا، حيث واجهنا شروطًا قانونية معقدة، من بينها ضرورة نشر إعلان داخل الأرشيف حول حقوق الاستخدام، رغم غموض مصدر هذه الحقوق أصلًا.
في بعض الحالات، كان الوصول إلى الأرشيف يتطلب معرفة باللغة العبرية أو الإيطالية أو الألمانية، أو حتى السفر إلى خارج فلسطين . وفي حالات أخرى، كانت هناك قيود قانونية تفرض التزامات طويلة الأمد تتعلق بحقوق الملكية، مما يزيد من تعقيد العملية.
كل هذه التحديات تؤكد أن العمل الأرشيفي، بالنسبة للباحث الفلسطيني، يتطلب أكثر من مهارات بحثية. إنه يحتاج إلى وعي نقدي بالبنية السياسية والمعرفية التي تحكم هذه الأرشيفات، وإلى قدرة على التنقل بين اللغات، المؤسسات، والسياقات المختلفة. كما يتطلب شبكة علاقات واسعة، وقدرة على التواصل المستمر مع الأرشيفات والمؤسسات حول العالم.
في النهاية، لم تكن هذه التجربة مجرد بحث عن مواد لفيلم، بل كانت مواجهة مباشرة مع واقع التشتت الفلسطيني كما يتجلى في أرشيفه: أرشيف مبعثر، متنازع عليه، ومحمّل بأسئلة السلطة والملكية والتمثيل. وربما، في هذا التبعثر تحديدًا، تكمن إحدى أقوى دلالات القصة الفلسطينية نفسها.
هذه التجربة تطرح علينا سؤالًا ملحًا: كيف يمكننا استعادة أرشيفنا؟ ليس فقط كمجموعة من الصور والأفلام، بل كجزء حي من ذاكرتنا الجمعية، وكأداة لإعادة كتابة تاريخنا بأصواتنا نحن.
المصدر:
صفحة رمّان الثقافية