25 ألف صفحة من مخطوطات غزة… حين تصبح الوثيقة ذاكرةً مهددة بالضياع
في غزة، لم تعد حماية التراث الوثائقي قضية مرتبطة بالماضي وحده، بل أصبحت معركة يومية للحفاظ على ما تبقّى من ذاكرة المكان. فبين الركام، وفي ظروف شديدة الخطورة، عمل فلسطينيون على إنقاذ مخطوطات ووثائق تاريخية تعود إلى قرون، في محاولة للحفاظ على سجل ثقافي وعلمي يوثّق جانبًا من تاريخ غزة وفلسطين.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، تُوّج هذا الجهد بمنح المؤرخ الفلسطيني عبد اللطيف هاشم والباحثة حنين العماسي جائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم لعام 2026، تقديرًا لجهودهما في حماية التراث الوثائقي المهدد بالخطر في غزة. وجاء التكريم تقديرًا للعمل في مجالات التوثيق والرقمنة والحفظ والاستجابة الطارئة، إلى جانب تعزيز قدرات الحفظ المحلية.
مخطوطات تعود إلى قرون
تتجاوز أهمية هذه الجهود مجرد إنقاذ أوراق قديمة. فالمجموعة التي عمل عليها الفريق تضم مواد مخطوطة تعود، في جانب كبير منها، إلى العصرين المملوكي والعثماني، وتكشف عن جانب من الحياة العلمية والثقافية والدينية في غزة وفلسطين.
وشملت الجهود رقمنة أكثر من 25 ألف صفحة من مواد مخطوطة مهددة بالخطر، بدعم من برنامج الأرشيفات المهددة بالخطر التابع للمكتبة البريطانية، إلى جانب إنشاء أول مختبر متخصص لترميم المخطوطات في غزة، وتطوير بروتوكولات للحفظ الطارئ خلال النزاع.
وتضم المجموعة، وفق التفاصيل التي أوردها التحقيق الصحفي، 228 مخطوطة كاملة و69 مخطوطة غير مكتملة، إضافة إلى أكثر من 25 ألف صحيفة. وتمتد بعض هذه المواد من القرن الرابع عشر الميلادي إلى بدايات القرن العشرين، إلى جانب مخطوطات غير مؤرخة من العصر العثماني. وكانت المجموعة قد أُدرجت عام 2018 ضمن برنامج المحفوظات المهددة بالانقراض التابع للمكتبة البريطانية.
من مكتبة الجامع العمري إلى تحت الأنقاض
ترتبط أجزاء مهمة من هذه المجموعة بمكتبة الجامع العمري الكبير في غزة، التي أودعت مخطوطاتها في دائرة المخطوطات منذ عقود. وتشمل موضوعاتها علوم القرآن والحديث والفقه والسيرة والتصوف وغيرها من مجالات المعرفة الدينية والثقافية.
كما تضم مؤلفات لعلماء من غزة وجنوب فلسطين، ومخطوطات أوقفها علماء المدينة ومؤسساتها، وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز الجانب المادي للمخطوط، لتصبح مصدرًا يمكن من خلاله قراءة جوانب من تاريخ المدينة وحياتها العلمية والثقافية.
ومن بين المخطوطات التي تبرز في هذه المجموعة ديوان ابن زقاعة الغزي، للشاعر والعالم الفلكي الصوفي محمد بن بهادر بن زقاعة الغزي. ويضم الديوان إشارات إلى عدد من مواضع فلسطين بأسمائها القديمة، بما يضيف إلى قيمته الأدبية بُعدًا تاريخيًا وجغرافيًا.
كما تبرز مخطوطات تتعلق بالفتاوى، ومنها الفتاوى التمرتاشية في الوقايع الغزية، التي تعكس جانبًا من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية في غزة، من خلال الأسئلة والوقائع التي تناولتها.
إنقاذ الوثيقة في زمن الحرب
لم تكن عملية إنقاذ هذه المواد تجري في ظروف طبيعية. فقد بدأت فرق محلية بالبحث عن المخطوطات وانتشالها من تحت الأنقاض، في وقت كانت فيه القذائف والانفجارات تهدد المكان والأشخاص الذين يحاولون الوصول إلى الوثائق.
وقادت حنين العماسي فريقًا من المتطوعين للعمل في مواقع شديدة الخطورة، مع نقص في المعدات ومواد الترميم الأساسية. وكان الهدف انتشال ما يمكن إنقاذه من المخطوطات والوثائق والصور التي كانت محفوظة في مبانٍ ومكتبات تعرضت للدمار.
وفي موازاة العمل الميداني، جرى تطوير أساليب للحفظ الطارئ، بحيث لا تتوقف مهمة حماية الوثيقة عند إخراجها من مكان الخطر، بل تمتد إلى التعامل معها وترميمها ورقمنتها، بما يسمح بالحفاظ على محتواها وإتاحة نسخة رقمية منه للأجيال المقبلة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين إنقاذ الوثيقة وترميمها ورقمنتها. فالرقمنة لا تعني إنقاذ الأصل بالضرورة، لكنها توفر نسخة رقمية من محتواه، بينما تتطلب حماية الأصل إجراءات مادية وتقنية مختلفة للحفظ والترميم.
حين تتحول الورقة إلى شاهد تاريخي
تكشف قصة هذه المخطوطات عن طبيعة خاصة للتراث الوثائقي الفلسطيني. فالوثيقة لا تقدم فقط معلومة عن الماضي، بل قد تحمل أسماء الأشخاص والأماكن، وتكشف عن طبيعة الحياة العلمية والاجتماعية، وتوثق حركة المعرفة داخل المدن والقرى.
ولهذا فإن فقدان مخطوطة واحدة لا يعني بالضرورة خسارة قطعة مادية فحسب، وإنما قد يعني ضياع نص أو معلومة أو اسم أو تفصيل لا يمكن استعادته من مصدر آخر.
ومن هنا تأتي أهمية الرقمنة. فالنسخة الرقمية لا تحل محل الأصل، لكنها تمنح محتواه فرصة إضافية للبقاء، خصوصًا عندما يكون الأصل معرضًا للتلف أو الفقدان. وفي حالة التراث الوثائقي المهدد، تصبح الرقمنة جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية الذاكرة وإتاحتها للباحثين والأجيال المقبلة.
ذاكرة لا تُحفظ في المتاحف فقط
تكمن أهمية تجربة غزة أيضًا في أنها تذكّر بأن التراث الوثائقي لا يعيش فقط داخل المؤسسات الرسمية أو المتاحف. فجزء من الذاكرة التاريخية قد يكون موجودًا في مكتبة مسجد، أو في مجموعة شخصية، أو داخل أرشيف عائلي، أو بين صفحات مخطوط لم يحظَ طويلًا بالاهتمام.
وتكشف تجربة عبد اللطيف هاشم عن جانب آخر من عملية الحفظ، يتمثل في جمع الأرشيفات الشخصية والعائلية وتعريف أصحابها بقيمة الوثائق التي يحتفظون بها. وهنا تتحول الأرشفة من مجرد حفظ لمادة قديمة إلى عملية لاستعادة أجزاء من التاريخ المبعثر وجمعها ضمن سياق يمكن دراسته وحمايته.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم رسائل تجربة غزة: الذاكرة التاريخية لا تُصنع فقط في الكتب التي يكتبها المؤرخون، بل تُبنى أيضًا من الوثائق التي تركها الناس خلفهم.
ما الذي يبقى بعد الركام؟
في نهاية المطاف، لا تختصر قصة مخطوطات غزة في رقم الـ25 ألف صفحة التي جرى العمل على رقمنتها، ولا في عدد المخطوطات التي أمكن إنقاذها وترميمها. الأهم هو ما تحمله هذه الصفحات من معلومات عن مدينة عاشت فيها أجيال من العلماء والكتّاب والناس، وتركت آثارًا مكتوبة تشهد على حياتها العلمية والثقافية.
لقد منحت جائزة اليونسكو/جيكجي لذاكرة العالم لعام 2026 هذا العمل اعترافًا دوليًا، لكن قيمة المشروع تتجاوز الجائزة نفسها. فهي تطرح سؤالًا أوسع حول مسؤولية حماية التراث الوثائقي في أوقات الحروب: كيف يمكن إنقاذ الأصل؟ كيف يمكن توثيقه قبل فوات الأوان؟ وكيف يمكن ضمان أن تبقى المعرفة التي تحملها الوثيقة متاحة عندما يصبح المكان الذي حفظها لعقود مهددًا بالزوال؟
في غزة، أصبحت الإجابة تبدأ من ورقة تُنتشل من بين الأنقاض، ثم تُجفف وتُرمم وتُرقمن وتُحفظ. وربما تكون هذه الورقة، بعد سنوات، أكثر من مجرد مخطوط قديم؛ قد تكون واحدة من القطع التي تساعد الأجيال القادمة على قراءة تاريخ مدينة كاملة.
المصادر:
- اليونسكو: «متخصصون في التراث الوثائقي الفلسطيني يتلقون جائزة اليونسكو/جيكجي للذاكرة العالمية لعام 2026»، 7 أيلول/سبتمبر 2026. المقال الأصلي على موقع اليونسكو
- الجزيرة نت: «أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليونسكو لذاكرة العالم»، 10 أيلول/سبتمبر 2026. المقال الأصلي على الجزيرة نت

