أرشيف رجا شحادة: ستة عقود من التاريخ الفلسطيني في اليوميات والوثائق الشخصية
على امتداد أكثر من ستة عقود، دأب الكاتب والمحامي الفلسطيني رجا شحادة على تدوين يومياته وملاحظاته وتجربته الشخصية، موثّقًا جوانب من الحياة الفلسطينية وتحولاتها السياسية والاجتماعية. واليوم، تُحفظ هذه المواد ضمن أرشيف شخصي واسع نُقل إلى المملكة المتحدة، في مشروع تعاون بين جامعتي إدنبرة وإكستر ومكتبة التربية في القدس، بهدف صون الوثائق وإتاحتها للبحث والدراسة.
بدأ شحادة كتابة يومياته في أيار/مايو 1967، حين كان في الخامسة عشرة من عمره، واستمر في تدوينها على مدى العقود التالية. ويضم الأرشيف يوميات وأوراقًا شخصية ومراسلات وكتابات أخرى، إلى جانب وثائق تعود إلى والده، المحامي عزيز شحادة (1912–1985). وبذلك، لا يقتصر الأرشيف على تسجيل تجربة فردية، بل يمتد ليقدّم مادة وثائقية تتصل بتاريخ المجتمع الفلسطيني وتحولاته على مدى يقارب قرنًا.
من اليوميات الشخصية إلى توثيق التاريخ الفلسطيني
تكتسب يوميات رجا شحادة أهميتها من تسجيلها أحداثًا وتجارب عاصرها صاحبها، ومن احتفاظها بتفاصيل الحياة اليومية إلى جانب الوقائع السياسية الكبرى. وتتضمن اليوميات إشارات إلى لقاءات مع شخصيات سياسية، من بينها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والملك حسين بن طلال، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.
كما توثّق جانبًا من عمل شحادة مستشارًا قانونيًا للوفد الفلسطيني في محادثات السلام التي أعقبت مؤتمر مدريد عام 1991، فضلًا عن تدويناته المتعلقة بالتوغل العسكري الإسرائيلي في رام الله عام 2002. وتوفر هذه المواد، إلى جانب الوثائق القانونية والدبلوماسية، فرصة لدراسة الأحداث من خلال سجل شخصي تشكّل بالتزامن معها.
ويضم الأرشيف كذلك وثائق وأوراقًا قانونية ودبلوماسية تعود إلى عزيز شحادة، الذي امتدت أوراقه إلى فترات من ثلاثينيات القرن العشرين حتى ثمانينياته. وتتيح هذه المجموعة قراءة متقاطعة بين جيلين من التجربة الفلسطينية، من خلال اليوميات والمراسلات والوثائق القانونية التي تحفظها المجموعة.
حفظ الأرشيف ورقمنته وإتاحته
تولّى الكاتب والصحفي ماثيو تيلر قيادة العمل على تجميع الأرشيف، بالتعاون مع مركز الوليد لدراسة العالم الإسلامي المعاصر في جامعة إدنبرة، ومعهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر، ومكتبة التربية في القدس.
وكانت الأوراق الأصلية محفوظة في رام الله، قبل أن تُرقمن المواد الورقية ويُنقل الأرشيف المادي إلى مركز المجموعات البحثية في جامعة إدنبرة. أما النسخ الرقمية، فتُحفظ ضمن الأرشيف الرقمي للشرق الأوسط (Digital Archive of the Middle East – DAME)، التابع لجامعة إكستر.
وجاء تسريع إجراءات الحفظ في ظل المخاطر التي تواجه المؤسسات الثقافية والأرشيفات الفلسطينية، بما فيها احتمال تعرض الوثائق الشخصية والمؤسساتية للفقدان أو التدمير. وأوضح تيلر أن تصاعد الحرب على غزة خلال عامي 2023 و2024، وما رافقه من تدمير لمؤسسات ثقافية وتعليمية، إلى جانب اتساع العنف في الضفة الغربية، عزّز الحاجة إلى تأمين الأرشيف.
وبحسب جامعة إكستر، أُتيحت قرابة أربعة آلاف صفحة من المجموعة للجمهور، فيما يتواصل العمل على فهرسة كامل المواد تمهيدًا لنشرها وإتاحتها على نطاق أوسع. وتُحفظ المجموعة المادية في جامعة إدنبرة، بينما تتيح النسخ الرقمية إمكانية الاطلاع على المواد ودراستها من خلال المنصة المتخصصة.
الأرشيف بين الحفظ وحق الوصول
لا تتعلق أهمية المشروع بمجرد نقل الأوراق من مكان إلى آخر، بل تشمل تأمينها ماديًا ورقميًا، وتنظيمها وفهرستها، وإتاحتها للباحثين والطلاب والجمهور. وتبرز هنا قيمة الأرشيف الشخصي بوصفه مصدرًا تاريخيًا، إذ تحفظ اليوميات تفاصيل قد لا تظهر في السجلات الرسمية، وتربط التجربة الفردية بالسياق السياسي والاجتماعي الذي تشكّلت فيه.
وفي الوقت نفسه، تظل مسألة ملكية المواد وحقوق استخدامها جزءًا أساسيًا من إدارة الأرشيف. فوفقًا للمشروع، احتفظ رجا شحادة وورثته بحقوق النشر والسيطرة على الملكية الفكرية للمواد، بينما تتولى جامعة إدنبرة حفظ الأرشيف وإدارته.
ويؤكد المشروع أن الأرشيف الفلسطيني لا تقتصر قيمته على ما يحتويه من معلومات عن الماضي، بل تشمل أيضًا حق الفلسطينيين والباحثين في الوصول إلى مصادر توثّق تاريخهم وتجاربهم. ومن خلال الجمع بين الحفظ المادي والرقمنة والإتاحة، يسعى المشروع إلى ضمان بقاء هذه السجلات متاحة للدراسة، وعدم اختزال التاريخ الفلسطيني في الروايات الرسمية وحدها.

المصدر:
Arab News، «Six decades of Palestinian history preserved in the Raja Shehadeh Archive»، 17 أيلول/سبتمبر 2026.
الرابط: https://www.arabnews.com/lifestyle/six-decades-of-palestinian-history-preserved-in-the-raja-shehadeh-archive-3002054