في التاسع من تموز/يوليو 1941، عُثر على خليل حسن أبو زهيرة، من قرية تل الصافي، مقتولًا في حقل ذرة قرب مستعمرة كفار مناحيم. ولم تتوقف القضية
عند توثيق واقعة الوفاة، بل تحولت إلى ملف قضائي متكامل حفظت وثائقه مختلف مراحل التحقيق والإجراءات القانونية التي اتخذتها سلطات الانتداب البريطاني.
تكشف الوثائق الأولى أن الطبيب الشرعي أثبت وفاة خليل حسن أبو زهيرة إثر إصابة بعيار ناري أسفل الذقن، تسببت في كسر الفقرتين العنقيتين الثانية والثالثة وإتلاف النخاع المستطيل، وهي إصابة أفضت إلى الوفاة الفورية. وأعقب ذلك إصدار أمر رسمي بدفن الجثمان، لتبدأ بعدها مرحلة التحقيق الجنائي.
وتظهر المراسلات الرسمية أن الشرطة باشرت إجراءاتها سريعًا، فأوقفت خمسة أشخاص على خلفية القضية، وأبلغت السلطات المختصة بأنهم سيُحاكمون بتهمة التسبب في الوفاة، فيما قرر الطبيب الشرعي تأجيل التحقيق القضائي إلى حين انتهاء المحاكمة، وفقًا لأحكام قانون الطب الشرعي لعام 1926. كما تكشف الوثائق عن مراسلات إدارية هدفت إلى استكمال ملف القضية والتأكد من وجود جميع الأوامر والتقارير الرسمية المتعلقة بالتشريح والدفن، بما يعكس الدقة البيروقراطية التي رافقت سير التحقيق.
وتكشف وثيقة مؤرخة في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1941 عن تطور مهم في القضية؛ إذ أُخلي سبيل أربعة من الموقوفين بعد عرض الملف على قاضي الصلح في رحوفوت، بينما أُحيل روبين ليسكوفيتش، من مستعمرة كفار مناحيم، إلى المحكمة المركزية، بعدما رأت سلطات التحقيق أن الأدلة المتوافرة تبرر استمرار الملاحقة القضائية بحقه. وتشير هذه الوثيقة إلى انتقال القضية من مرحلة التحقيق الأولي إلى مرحلة المحاكمة، دون أن تكشف بعد عن الحكم النهائي.
وتمنحنا هذه الوثائق، عند قراءتها مجتمعة، صورة متكاملة عن كيفية تعامل سلطات الانتداب البريطاني مع قضايا القتل؛ فمن مسرح الجريمة والتشريح الطبي، إلى الاعتقالات، ثم المراسلات الإدارية، وصولًا إلى قرارات الإحالة إلى القضاء. وبذلك لا توثق هذه المجموعة مقتل خليل حسن أبو زهيرة فحسب، بل تكشف أيضًا آليات العدالة الجنائية والإدارة الاستعمارية في فلسطين خلال أربعينيات القرن العشرين، كما حفظتها الوثائق الرسمية نفسها.